حاج ملا هادي السبزواري
33
شرح المنظومة
--> بعضهم سببه التجزي وانفصال أجزاء من ذي الرائحة تخالطها الأجزاء الهوائية وتصل إلى الشامة . وقيل إنه يفعل ذو الرائحة في الشامة من غير استحالة في الهواء ولا بتجزّ وانفصال ، وراجع الموضع المذكور آنفا من الأسفار والمباحث . ثم اعلم أنه نقل عن أفلاطون وفيثاغورس وهرمس وغيرهم من الأقدمين أن الأفلاك والكواكب لها قوة الشمّ ، وفيها روائح طيّبة أطيب مما يوجد في المسك والعنبر والرياحين بكثير . وردّ عليهم أتباع المشائين بأن إدراك الروائح مشروط بالهواء والبخار وليس هنالك هواء ولا بخار . وقال صاحب الأسفار في ذيل الفصل المذكور آنفا في الردّ على هذا الردّ : « وهذا الوجه ضعيف لأن كون الاشتراط به مطلقا ليس عليه برهان عقلي وإنما يشترط ذلك في العالم العنصري » . ثمّ قال : « ومن أفاضل المتأخرين من حكى عن نفسه أنه عند اتصاله بذلك العالم في نوم أو يقظة شمّ منها روائح أطيب من المسك والعنبر بل لا نسبة لما عندنا إلى ما هناك ، ولهذا اتفق أرباب العلوم الروحانية على أن لكل كوكب بخورا مخصوصا ولكل روحاني رائحة معروفة تستنشقونها ويتلذذون بها وبروائح الأطعمة المصنوعة لهم فيفيضون على من ترتب ذلك ما هو مستعدّ له » . أقول : إنّ ما نقل عن أفلاطون وهرمس وغيرهما من الأقدمين كلام كامل في غاية الرصانة ، وردّ أتباع المشائين عليهم مردود جدّا ، والرد على هؤلاء الأتباع على وفق ما أشار إليه صاحب الأسفار ، كما سيأتي عن قريب في البحث عن الإبصار أن الموجود بما هو موجود سميع بصير وأيضا أن ما أدركه هؤلاء الأكابر راجع إلى مكاشفاتهم الروحانية وهو أمر فوق ما نقله الناقلون من أهل الملل والنحل عنهم ، وأمر المكاشفة أشمخ ممّا يراه النائم في نومه بمراحل ، والإنسان في سلوكه وعروجه إلى اللَّه ذي المعارج يرى ويسمع ويشم ما تكلّ عن وصفها الألسن وتعجز عن تحريرها الأقلام . ولا ضير أن يدرك الإنسان في معارجه السلوكيّة الروحانية أمورا وأحوالا كأنّ تلك الأمور والأحوال من صقع خاص كالأجرام العلوية مثلا وإن كان ذلك الصقع عاريا عن تلك الأحوال والأوصاف بحسب الواقع . وقد شاهدنا نحن من فضل رب العالمين أمثال تلك الأمور المنقولة من هؤلاء الأقدمين كرة بعد كرة ، ولمّا حصل الانصراف عن تلك المشاهدة القلبية والحالة الروحانية عرفنا أن الأمر أرفع ممّا يتفوّه به في أحوال الطبيعيات وشرائط إدراكها ، ألا ترى أن مسائل الإبصار مع كثرة شقوقها واختلاف الآراء فيها لا يجري حكم من أحكامها في عالم النوم فما تظن بما فوق النوم ، ولنا صحيفة نورية محررة بالفارسية موسومة ب « انسان در عرف عرفان » تبحث عن أصول وأمّهات في تحرير بيان أمثال هذه المسائل . وأما حديث البخور والآداب التي ذكرها أرباب العلوم الروحانية فلا دغدغة فيه فإنها معدّات مناسبة للرياضيات الروحانية محققة عندنا إلا أنّ للخوض فيه مقاما آخر .